علاقات دمشق- بغداد في مرمى تهديدات “الحشد الشعبي”
عنب بلدي – أمير حقوق
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية- الإيرانية، برزت مؤخرًا لهجة تصعيدية من قبل قوات “الحشد الشعبي” في العراق تجاه سوريا.
التصعيد، سبقته تحركات عسكرية سورية على الحدود مع العراق ولبنان، بهدف حماية حدودها، واتصالات سياسية مكثفة أجراها الرئيس، أحمد الشرع، مع قادة المنطقة، بمن فيهم الرئيس العراقي، لاحتواء تداعيات الحرب.
ومع تصاعد لهجة بعض عناصر وقيادات “الحشد الشعبي” بخطابات حادة تجاه السلطة السورية الجديدة، التي اختارت موقف الحياد حيال التصعيد الإسرائيلي- الإيراني، حرصت الحكومة العراقية على عدم تبني هذا التصعيد رسميًا.
التصعيد، الذي يتقاطع مع تحولات سياسية وأمنية عميقة في المنطقة، يطرح تساؤلات حول أسبابه الحقيقية، وانعكاساته على العلاقات بين بغداد ودمشق، وحدود تأثيره على مسار التهدئة أو التصعيد في الإقليم.
بعد انطلاق عملية “زئير الأسد” الإسرائيلية ضد إيران، في 28 من شباط الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بدء “عمليات قتالية كبيرة” موازية.
وردت إيران عسكريًا على الهجوم مستهدفة مواقع عسكرية في إسرائيل، والقواعد الأمريكية في دول الخليج، وترافق ذلك مع بدء الفصائل الموالية لإيران في بغداد، باستهداف بعض المقار التي تتبع لواشنطن في العراق، وعلى رأسها السفارة الأمريكية في بغداد.
سوريا تخرج من العمق الاستراتيجي لإيران
جذور التصعيد تعود إلى التحولات في سوريا، إذ “بدأت أذرع إيران في المنطقة تنظر إلى سوريا كدولة مناوئة لمشروعها، وسوريا الجديدة خرجت من العمق الاستراتيجي لإيران، وبالتالي أصبحت في الضفة المقابلة”، بحسب الكاتب السياسي درويش خليفة.
وقال خليفة، في حديث إلى عنب بلدي، إن هذا التحول ترافق مع قناعة لدى هذا المحور بأن سوريا باتت أقرب إلى المعسكر الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي كثّفت ضغوطها على إيران منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، في محاولة لتقليص نفوذها الإقليمي وحصره داخل حدودها الجغرافية.
هذه الأذرع (الحشد الشعبي) تتحرك وفقًا للاستراتيجيات الإيرانية، وليس وفق استراتيجيات دولها، إنما هي مشاريع وظيفية تعمل لمصلحة قوى أخرى، بحسب خليفة.
بعض القوى المرتبطة بإيران تحاول نقل التوتر إلى الحدود البرية، بعد عسكرة الممرات المائية، عبر محاولات تسخين الحدود العراقية- السورية، ما قد يؤدي إلى احتكاكات غير محسوبة.
درويش خليفة
كاتب سياسي
في المقابل، قدم المحلل والباحث السياسي العراقي محمد ناصر تركي، قراءة مختلفة تركز على البعد الأمني، إذ قال إن العراق بعد التغيرات، أصبح يريد حماية أراضيه والحفاظ على حدوده مع سوريا، خصوصًا أنها تمتد لأكثر من 600 كيلومتر.
العراق عانى كثيرًا من الإرهاب خاصة من تنظيم “الدولة الإسلامية”، لذلك عمل على نشر قواته وإقامة سواتر، لمنع أي تسلل أو تهريب من الجانب السوري، وهذا ما يفسر التحركات الأخيرة، وفق تعبير الباحث تركي.
مخاوف حدودية من التصعيد
يثير تصعيد “الحشد الشعبي” تساؤلات حول ما إذا كان سيقود إلى توتر فعلي في العلاقات السياسية بين بغداد ودمشق، أم أنه سيبقى ضمن حدود المواقف غير الرسمية.
وحذر الكاتب درويش خليفة من خطورة المسار قائلًا، إن “هناك محاولات لتسخين الحدود ما بين الطرفين، وقد يسمح ذلك بوصول الأمور إلى حافة الهاوية بين البلدين”.
وأضاف، “فتح جبهات جديدة قد ينعكس على الداخل السوري، ويعيد تأجيج الصراع من جديد”.
علاقة مستمرة بين دمشق وبغداد
لا يرى المحلل محمد تركي وجود تصعيد فعلي على مستوى الدول، مؤكدًا أنه لا يمكن اعتبار لهجة بعض عناصر “الحشد الشعبي” تصعيدًا بين العراق وسوريا، وأن العلاقة بينهما مستمرة لأنها علاقة “قديمة ومتجذرة”.
وقال، ردًا على تخوفات خليفة، إن من يمسك الحدود هي شرطة الحدود ووزارة الدفاع، وليس “الحشد الشعبي”، وبات العراق اليوم أكثر حرصًا على ترسيخ معادلة الأمن والاستقرار، عبر سيطرة محكَمة على حدوده ومنع أي اختراقات قد تعيد البلاد إلى دوامة العنف.
وكانت الحدود السورية- العراقية شهدت تعزيزًا عسكريًا من قبل الجانبين، إثر بدء الحرب الإسرائيلية- الإيرانية، مع تفسير تلك التعزيزات بأنها لدوافع أمنية.
اتصالات لطمأنة الجانب العراقي
التصعيد سبقته اتصالات مباشرة بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، والحكومة العراقية، في محاولة واضحة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه.
الرئيس الشرع، ورئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، بحثا تطورات الأوضاع الإقليمية، ولا سيما التطورات المرتبطة بالتصعيد بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وانعكاساته على أمن واستقرار المنطقة.
وأكد الجانبان أهمية تعزيز التنسيق والتعاون الأمني المشترك، مشددين على ضرورة تغليب الحوار والحلول السياسية، وعلى عمق العلاقات الأخوية بين سوريا والعراق، وحرصهما على استمرار التشاور والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة ويسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.
يقرأ الكاتب السياسي درويش خليفة هذه الاتصالات في إطار التهدئة، معتبرًا أن اتصال الشرع كان لطمأنة الجانب العراقي بأن سوريا لن تكون منطلقًا لهجمات تجاه العراق، وكذلك لضبط الحدود ومنع أي اشتباك.
وقال خليفة، “كان لا بد من هذا الاتصال لأن المنطقة الآن مشتعلة، وسوريا تحاول أن تكون على الحياد، لا مع هذا المحور ولا ذاك”.
ولكن المشهد منقسم بوضوح، بحسب خليفة، مفسرًا، “لا يوجد موقف عراقي موحد، الفصائل كـ(الحشد الشعبي)، تنظر إلى سوريا كدولة معادية، بينما الحكومة تتعامل معها كأمر واقع يجب التعايش معه”.
المحلل السياسي محمد ناصر تركي، ربط هذه الاتصالات بطبيعة العلاقة بين البلدين، موضحًا، “العراق يحترم خيارات الشعب السوري، حتى مع وجود حكومة انتقالية، ويجب أن تكون هناك علاقات دبلوماسية وتبادل مصالح مع أي حكومة موجودة”.
وقال إن الإطار الرسمي هو الحاكم، موضحًا أن “الحشد الشعبي” مؤسسة أمنية تابعة لرئيس الوزراء، ولا يمكن أن تتحرك دون موافقته، وتعمل داخل المسار الرسمي، وبالتالي لا يمكن أن تؤثر لهجة بعض العناصر على العلاقة بين البلدين.
التهدئة “ممكنة وصعبة”
في ظل التوتر الإقليمي، واشتداد لهجة “الحشد الشعبي” حيال السلطة السورية، تبرز الحاجة إلى آليات عملية تمنع الانزلاق نحو تراجع العلاقات السياسية بين البلدين.
وهنا، يرى الكاتب درويش خليفة أن التهدئة ممكنة، ولكنها صعبة، موضحًا أن “تهدئة الوضع ليست بالأمر الهين في ظل التصعيد الكبير في المنطقة، لكنها ممكنة عبر خطوط اتصال مباشرة ومنع أي انزلاق نحو المواجهة”.
وحذر من “إعادة الاقتتال المذهبي في المنطقة إذا خرجت الأمور عن السيطرة”.
أما المحلل والباحث السياسي محمد ناصر تركي، فطرح مسارًا أكثر استقرارًا، إذ قال إنه “يجب أن تكون هناك علاقات دبلوماسية وتبادل مصالح، والعراق سيفتح آفاق التعاون مع سوريا بعد استقرار الوضع فيها.
وختم بأن العلاقات بين البلدين مرشحة للتطور مستقبلًا، خصوصًا مع استقرار الأوضاع في سوريا، ما يفتح الباب أمام تعاون أوسع اقتصاديًا وأمنيًا.
تأسس “الحشد الشعبي” مع صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” وسيطرته على أراضٍ واسعة في العراق عام 2014، ومع انهيار جزء من القوات المسلحة العراقية صيف 2014، نزل مسلحو الفصائل العراقية الشيعية يرافقهم مستشارون إيرانيون إلى نقاط التماس بين المناطق التي يسيطر عليها التنظيم والمناطق ذات الأغلبية الشيعية.
أقر مجلس النواب العراقي، في 26 من تشرين الثاني 2016، قانون “هيئة الحشد الشعبي”، وسط مقاطعة نواب تحالف القوى العراقية السنّي الذي اعتبر إقرار هذا القانون “نسفًا للشراكة الوطنية”.
وشارك “الحشد الشعبي” في العمليات العسكرية إلى جانب النظام السوري السابق من خلال “كتائب حزب الله” العراقية، ومنظمة “عصائب أهل الحق”، وحركة “النجباء”، وغيرها من الألوية والفصائل التي ارتكبت مجازر طائفية في العديد من المناطق السورية منذ وقت مبكر من تاريخ الثورة، إذ وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” منذ آذار 2011 حتى كانون الأول 2014 ما لا يقل عن عشر مجازر على يد تلك الفصائل.


