عبد الرحيم بن الضو مستمر داخل دوائر النفوذ تحت مظلة حزب الأصالة والمعاصرة رغم القرارات القضائية
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون دولة القانون فوق كل اعتبار، وتكون المسافة بين السياسة والقضاء واضحة وحاسمة، يطفو من جديد ملف عبد الرحيم بن الضو، ليس فقط باعتباره ملفاً قضائياً جارياً بقرار من قاضي التحقيق، بل كمرآة لأسئلة أعمق تتعلق بطبيعة تداخل النفوذ السياسي بالمساءلة القانونية داخل المشهد العام.
المعطيات القضائية المتداولة تشير إلى أن قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قرر سحب جواز السفر ومنع مغادرة التراب الوطني في سياق ملف يرتبط بشركة “Or Blanc”، حيث يُتابَع عبد الرحيم بن الضو رفقة أطراف أخرى في حالة سراح، على خلفية اتهامات ثقيلة تتعلق بسلامة مواد غذائية موجهة للاستهلاك البشري، من قبيل عرض وترويج منتجات يُشتبه في كونها فاسدة أو غير مطابقة للمعايير، والتزوير ومنها محاولات القتل غير العمدي بعد ترويج منتجات منتهية الصلاحية للمغاربة ومرفوضة أوروبيا، وهي اتهامات ما تزال موضوع مسطرة قضائية مفتوحة ولم تحسم فيها العدالة بعد.
لكن النقاش في الشارع العام لم يعد يقف عند حدود الملف القضائي التقني، بل انتقل إلى سؤال سياسي يستغرب لإستمرار هذا “مشبوه” عبد الرحيم بن الضو، في الحضور داخل المؤسسات، وأن يستمر في لعب أدوار انتخابية وحزبية بينما هو موضوع متابعة قضائية ثقيلة بقرار قضائي صريح، مع ما يرافق ذلك من إجراءات احترازية تمس حريته في التنقل؟ !
الأكثر إثارة للجدل هو الموقف المرتبط بـحزب الأصالة والمعاصرة، الذي وجد نفسه في قلب العاصفة، بعدما تم الترويج في وقت سابق لكونه جمد عضوية المعني بالأمر، قبل أن تتناسل معطيات سياسية وإعلامية تشكك في طبيعة هذا “التجميد” وحدوده الزمنية والتنظيمية، بل وفي ما إذا كان قد طبق فعلياً داخل دوائر القرار الحزبي والانتخابي.
هذا التناقض بين الخطاب الرسمي الحزبي والواقع الملموس يغذي إحساساً عاماً بأن التعامل مع الملفات ذات الطابع القضائي داخل الأحزاب السياسية لا يخضع دائماً لمنطق صارم وواضح، بل قد يتأرجح بين ضرورات الصورة السياسية وحسابات النفوذ الانتخابي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء وازنة داخل الخريطة المحلية.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر بشخص واحد بقدر ما يتعلق بصورة أوسع عن العلاقة الملتبسة بين المال والسياسة والسلطة، فوجود منتخبين أو فاعلين سياسيين في وضعيات قضائية مفتوحة، دون وضوح كامل في مواقف الأحزاب التي ينتمون إليها، يطرح سؤالاً حاداً حول معنى “المسؤولية السياسية” وحدودها، وحول قدرة الأحزاب على إنتاج معايير داخلية صارمة تسبق حتى تدخل القضاء أو توازيه على الأقل من حيث الرمزية الأخلاقية.
ما يزيد من حدة هذا النقاش هو أن القضية ليست مجرد اتهامات إعلامية أو خصومات سياسية تستهدف عبد الرحيم بن الضو، بل مسار قضائي قائم بقرارات واضحة من قاضي التحقيق، وهو ما يضع الجميع أمام معادلة دقيقة، احترام قرينة البراءة من جهة، وعدم تحويل المواقع الحزبية إلى مظلة سياسية غير معلنة تحمي أصحاب الملفات الثقيلة من تبعاتها الرمزية على الأقل من جهة أخرى.
وفي ظل هذا الوضع، يصبح الصمت أو الغموض الحزبي جزءاً من المشكلة لا من الحل، لأن غياب الوضوح في التعامل مع مثل هذه الملفات يفتح الباب أمام اهتزاز الثقة في العمل السياسي برمته، ويعمّق الشعور بأن بعض البنى الحزبية ما تزال غير قادرة على الفصل الصارم بين التمثيل السياسي والمسؤولية الأخلاقية.
وفي خضم هذا العبث، يتساؤل المغاربة بكل حرقة: هل نحن أمام حالة معزولة لشخص داخل مسار قضائي مفتوح، أم أمام نموذج أوسع لعلاقة غير محسومة بين السياسة والمال والنفوذ داخل بعض التنظيمات الحزبية، حيث تُدار الملفات الحساسة بمنطق التوازنات بدل منطق المحاسبة الواضحة؟





