... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
154369 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7318 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

عبارة "كما لا يخفى عليكم" .. عبارة منمقة بين وضوح الظاهر وغموض الباطن

العالم
هسبريس
2026/04/12 - 02:00 501 مشاهدة

ما الذي يريد المتكلّمُ الواثقُ أن يقوله فعلًا حين يبدأ خطابه بعبارة: ” وكما لا يخفى عليكم…”؟ أهو تمهيدٌ لقولٍ واضح، أم ستارٌ أنيق يُسدل قبل بدء المراوغة؟ ولماذا تبدو هذه العبارة، في كل مرة، كأنها تستبق الفهم بدل أن تبنيَهُ، وتفترض علمًا مشتركًا بدل أن تقدّم معرفة حقيقية؟ وهل هي تعبير عن ثقة في وعي المخاطَبين، أم عن رغبة في إعفاء النفس من الشرح والمساءلة؟ ثم ما الذي لا يخفَى علينا حقًا: مضمون الخطاب، أم الحيلة البلاغية التي يتخفّى داخلها؟ وهل نحن أمام لغةٍ تريد أن تكشف، أم أمام لغةٍ تعلمت كيف تجعل الغموض يبدو في هيئة الوَقَار؟

حين يبدأ المتكلّمُ من حيث تنتهي الحَقيقة

حين يفتتح المتحدّث خطابه بعبارة: “كما لا يخفى عليكم…”، فهو نادرًا ما يكون بصدد كشف أمرٍ خفيّ، بقدر ما يكون بصدد تدشين جولةٍ جديدة من التكرار المنمّق. إنها صيغة بلاغية جاهزة تمنح المتكلّم سلطة العارف، وتعفيه، في الوقت نفسه، من عبء الشرح، ومن مشقّة تسمية الأشياء بأسمائها، ومن مسؤولية قول الحقيقة من غير وسائط تجميلية. تبدو العبارة في ظاهرها وكأنها إشراكٌ للسّامعين في معرفةٍ مشتركة، لكنها في العمق ليست سوى وسيلة ذكية لتفادي الشرح، والالتفاف على صعوبة التسمية الدقيقة، والهروب من قول الحقيقة بصورتها المباشرة.

إنّها جملة تمنح المتكلم هيئة الواثق العارف، من غير أن تُلزمه بأن يقدّم معرفة فعلية تستحق هذا اليقين. المفارقة أنّ هذه العبارة تأتي غالبًا في السياقات التي يكون فيها كثيرٌ من الأمور مخفيًا أصلًا، لا بحكم الصدفة، وإنما بفعل الغموض المنظّم. لذلك تبدو عبارة ” كما لا يخفى عليكم” كأنها صيغةٌ رسمية لإعفاء الشخص من مسؤولية الشفافية، وكأنه يقول للناس: أنتم تعرفون، فلا داعي لأن أشرح، مع أنّ المشكلة كلّها كانت دائمًا في أن ما يجب أن يكون واضحًا قد بقيَ غامضًا، وما ينبغي أن يتمّ قولهُ بوضوح قد دُفن تحت طبقات من البلاغة الباردة. ثم إنّ هذه العبارة تنطوي على شكلٍ مخصوص من الاستعلاء المهذّب؛ فهي تتوجّه إلى الجمهور باعتباره متلقّيًا ينبغي تطويقه بلغةٍ مصقولة تُهذّب ظاهر الموقف وتُبقي جوهره على حاله. وحين تصدر بهذه الثقة الناعمة، فهي تبثّ إحساسًا مُصطنعًا بوجودها، ولا تزيح الحجاب عن الحقيقة، بقدر ما تُسدله عليها في صورة من الأناقة البلاغية.

ماذا يخفي المتحدثُ حين يقول ” كما لا يخفى عليكم”؟

لهذا كلّه، لا تبدو العبارة مجرد افتتاحية عابرة، لعلها طريقة تحرص على الهيبة أكثر من حرصها على الوضوح، وعلى الإيحاء أكثر من حرصها على التفسير، وعلى حماية المتكلم من المساءلة أكثر من حرصها على احترام السَّامع؛ هي عبارة أنيقة في شكلها، لكنها فقيرة في معناها، متماسكة في نبْرتها، رخوة أمام أيِّ طلب حقيقي للصِّدق.

حين يفتتح المتحدّثُ كلمتهُ بعبارة: ” كما لا يخفى عليكم…”، فاعلم أن ما سيأتي في الغالب هو إعادة تقديمٍ لما تمّ إخفاؤه طويلًا حتى بَلِي، ثم أخرجه المتكلمُ في اللحظة المناسبة بعد أن فقد معناه. فهذه العبارة تُقال لتوحي بالإضاءة، ولتُعفي قائلها من عبء الشرح. إنها جملة تدخل القاعة مرفوعة الرأس، متأنقة النبرة، مشدودة القوام، لكنها في حقيقتها لا تحمل من المعرفة إلا قشرتها، ولا من الصراحة إلا ما يكفي لتأجيلها مرة أخرى.

تبدو العبارة، في ظاهرها، كأنها إشراكٌ نبيل للسامعين في معرفةٍ مشتركة، وكأن المتكلم يفترض فيهم وعيًا سابقًا واطلاعًا قائمًا؛ ذلك أنها تقول لكَ ضمْنًا: أنت تعرف، ولذلك لن أشرح. مع أن الحقيقة في كثير من الأحيان هي أن الناس ينقصُهم خطاب يحترم هذا الفهم بما يكفي ليقول الأشياء بأسمائها، من غير لفٍّ ولا دورانٍ. والمفارقة الأشدّ مرارة أن هذه العبارة تزدهر بالذات في البيئات التي يصرّ فيها أصحابها على إخفاء الحقيقة وراء ستار من اللغة المنمّقة. فهم يخفّفون الوقائع، ويبدّلون أسماء الأخطاء، ويعرضون الأزمات كأنها مجرد “تحديات”، ويحوّلون العجز إلى “مرحلة دقيقة”، ويقدّمون التأجيل في صورة “تدرّج” محسوب، كأن تغيير الألفاظ قادر وحده على إصلاح ما أفسدته الوقائع. هناك يغدو الخفاء جزءًا من بنية الخطاب نفسه؛ أسلوبًا في الإدارة، وأداةً في السيطرة، وتقنيةً راقية لتوزيع الغموض بالتساوي.

لهذا تبدو العبارة أحيانًا أشبه بمفتاحٍ ذهبي لبابٍ لا يؤدي إلى شيء. تفتح النبرة ولا تفتح المعنى، وتمنح المتكلم هيئة العارف من غير أن تُلزمه بتقديم معرفة، وتُعطي السامع دور الشاهد من غير أن تمنحه حق السؤال الحقيقي. إنها افتتاحية مثالية لخطابٍ يشتغل على الهيبة أكثر مما يشتغل على الحقيقة. فليس مهمًا، في مثل هذه البلاغة أن تقول شيئًا واضحًا، يكفي أن تقول “اللاَّواضح” بطريقة تمنعه من أن يبدو فارغًا.

في هذه العبارة أيضًا ملمحٌ مسرحي لا تخطئه الأذن. فالمتحدثُ لا يبدأ بها لأنه واثق من علم الناس، ولأنه يريد أن يبدو هو نفسه في موضع من يملك العلم ويوزّعه بإيقاع محسوب. إنها حركة استهلالية تمنحه سلطةً مجانية: سلطة النبرة، لا سلطة الفكرة. ومع تكرارها، تتحول ” كما لا يخفى عليكم” من مجرد عبارة افتتاحية إلى علامة شبه مؤكدة على أن الحقيقة ستدخل متأخرة، إنْ دخلت أصلًا؛ فهي ليست مدخلًا إلى الوضوح، إنها علامة مبكرة على أنّنا بإزاء كلامٍ يحرص على سلامة بنائه وتناسق جمله، أكثر مما يحرص على النفاذ إلى جوهر المسألة.

القوْلُ الذي يبدأ من فَوق ولاَ يصلُ إلى شَيء

فماذا يبقى، بعد كل هذا، من عبارةٍ تبدو في ظاهرها بريئة ومألوفة؟ هل هي مجرد افتتاحية عابرة، أم أنها مفتاحٌ صغير لبنيةٍ تامّة من الخطاب الذي يفضّل التلميح على التصريح، والهيبة على الوضوح؟ وإذا كان المتحدثُ يفترض منذ البداية أن الأمر لا يخفى علينا، فلماذا يظلّ أكثر ما يعنينا غارقًا في الضباب؟ ولماذا يبدو الخطاب، كلما ازداد أناقةً، أقلّ قدرة على قول الأشياء كما هي؟ ثم أليْس أكثر ما يفضَحُ هذه العبارة أنها تكشف، من حيث لا تقصد، أن الخفاء لم يكن يومًا عجزًا في فهم الناس، وإنما مهارةً في يَدِ من يُتقنون إدارَته؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post عبارة "كما لا يخفى عليكم" .. عبارة منمقة بين وضوح الظاهر وغموض الباطن appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤