اعتراف إسرائيلي متأخر يفضح أزمة العقل الاستخباري لدى الاحتلال
السبيل – خاص
في لحظة نادرة من المكاشفة داخل إعلام الاحتلال؛ كشف تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالمؤسسة الاستخبارية والعسكرية، ليس بوصفها إخفاقًا عابرًا، بل كحالة متجذرة من العجز المزمن عن الفهم والتقدير، امتدت من غزة إلى لبنان وصولًا إلى إيران.
التقرير الذي يستند إلى قراءة قدمتها الباحثة الأمنية شيرا بارابيباي شاهام، لا يكتفي برصد الفشل، بل يضع يده على جذوره: منظومة تفكير مختلة، وتقديرات متفائلة بشكل مفرط، وانفصال واضح عن الواقع الميداني.
تفاؤل أعمى يصطدم بالواقع
ويُظهر التقرير أن أحد أخطر أوجه الخلل يتمثل فيما يمكن تسميته بـ”التفاؤل الاستخباري المزمن”، حيث دأبت أجهزة الاحتلال على تضخيم أثر ضرباتها العسكرية، والتقليل من قدرة خصومها على التعافي وإعادة البناء.
وتكرر هذا النمط بوضوح في أكثر من ساحة؛ من التقدير بأن حزب الله تم تحييده، إلى الرهان على انهيار داخلي في إيران عقب الضربة الافتتاحية.
لكن الوقائع الميدانية جاءت معاكسة تمامًا. فحزب الله واصل إطلاق الصواريخ، وإيران لم تنهَر، بل دخلت في مواجهة مفتوحة، فيما أثبتت قوى المقاومة الفلسطينية قبل ذلك، خاصة في السابع من أكتوبر، أن تقديرات الاحتلال لم تكن فقط خاطئة، بل سطحية وخطيرة. وهنا تتجلى المفارقة: جهاز يفترض أنه يُنتج المعرفة، تحول إلى أسير لأوهامه.
لحظة الانكشاف الكبرى
ولا يمكن قراءة هذا الاعتراف دون استحضار الزلزال الذي شكّله السابع من أكتوبر، حيث انهارت سردية “الردع” التي طالما تباهى بها الاحتلال. فالتقرير يعترف صراحة بأن السيناريوهات التي وضعتها الاستخبارات كانت محدودة وساذجة، وتدور حول عمليات تسلل محدودة، بينما جاءت عملية المقاومة بحجم وتنظيم غير مسبوقين.
ولم يكن هذا الإخفاق تقنيًا فقط، بل يعكس عجزًا عميقًا في فهم عقل الخصم وإرادته. فالاستخبارات التي تفشل في تقدير نوايا خصمها، وتكتفي بقياس قدراته المادية، تفقد جوهر عملها. وهذا ما أكدت عليه شاهام حين أشارت إلى أن الاحتلال أخفق في تقييم ليس فقط “ما يستطيع العدو فعله”، بل “ما يريد أن يفعله”.
ويطرح التقرير سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة في ضعف الردع، أم في سوء تقديره؟ الإجابة التي تتسرب بين السطور تشير إلى أن الاحتلال لم يعد قادرًا حتى على قياس ردعه بشكل دقيق. فاستمرار خصومه في خوض المواجهة رغم الكلفة، يدل على أن مفهوم الردع نفسه لم يعد يعمل كما كان يُفترض.
بل إن الأخطر هو أن الاحتلال كان يفسر “الهدوء المؤقت” على أنه نجاح في الردع، بينما كان في الحقيقة مجرد استراحة لإعادة بناء القوة. وأدت هذه القراءة الخاطئة إلى قرارات استراتيجية قائمة على أوهام، ما جعل كل جولة قتال تمهيدًا لجولة أكثر تعقيدًا.
فشل منهجي
وما يميز هذا التقرير أنه لا يُحمّل المسؤولية لأفراد أو تقديرات محددة، بل يشير إلى خلل هيكلي في “مجتمع الاستخبارات” لدى الاحتلال. والحديث هنا عن ثقافة مؤسسية تُكافئ التقديرات المريحة، وتُقصي السيناريوهات المتشائمة، وتُعيد إنتاج الأخطاء نفسها في كل ساحة.
وتعكس الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق خارجية، كما ورد في التقرير، إدراكًا متأخرًا بأن الأزمة أعمق من أن تُعالج داخليًا. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه اللجان غالبًا ما تتحول إلى أدوات لامتصاص الغضب، دون إحداث تغيير حقيقي في بنية القرار.
ما يكشفه تقرير “يديعوت أحرونوت” ليس مجرد إخفاق استخباري، بل مأزق استراتيجي شامل. فاحتلال يمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنه عاجز عن فهم خصومه، هو في الواقع قوة عمياء. وهذا العمى هو ما يمنح قوى المقاومة هامش المبادرة، ويُبقي الاحتلال في حالة رد فعل دائم.
وفي المحصلة؛ لا يبدو أن المشكلة في نقص المعلومات، بل في كيفية قراءتها. وبينما يواصل الاحتلال الرهان على القوة المجردة، تثبت الوقائع أن معادلات الصراع تُكتب في مكان آخر؛ حيث الإرادة والقدرة على التكيف، وفهم طبيعة المواجهة.
The post اعتراف إسرائيلي متأخر يفضح أزمة العقل الاستخباري لدى الاحتلال appeared first on السبيل.





