إعدام الأسرى .. قانون إسرائيلي عنصري يقترب من التنفيذ

المركز الفلسطيني للإعلام
يدفع الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين إلى حافة الإقرار النهائي، بعد مصادقة لجنة الأمن القومي في 24 مارس/آذار 2026 على صيغته النهائية، في خطوة تعيد طرح عقوبة الإعدام بوصفها أداة عقابية مباشرة في سياق صراع ممتد، وتثير تحذيرات حقوقية وقانونية من تداعيات تتجاوز حدود التشريع إلى بنية النظام القانوني الدولي.
مسار تشريعي متسارع نحو الإقرار
أقرّت لجنة الأمن القومي مشروع القانون بعد تجاوز أكثر من ألفي تحفظ قدمت خلال المداولات، ما مهّد لإحالته إلى القراءتين الثانية والثالثة في الكنيست، وسط دعم سياسي واضح من حكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
يمثل المشروع تتويجاً لمسار تشريعي متقلب بدأ عام 2015 بالرفض، قبل أن ينجح تدريجياً في اختراق العوائق البرلمانية الإسرائيلية منذ 2018، وصولاً إلى إعادة طرحه بقوة في 2023 ثم تثبيته ضمن أجندة الائتلاف اليميني الحاكم في 2025، وهو ما يعكس تحولاً في الخطاب السياسي الإسرائيلي، حيث باتت عقوبة الإعدام تُطرح كأداة ردع ضمن سياق أمني، لا كاستثناء قانوني محدود كما كان الحال تاريخياً.
من الاستثناء إلى الأداة العقابية
لم تُنفّذ إسرائيل عقوبة الإعدام منذ إعدام أدولف أيخمان عام 1962 عقب إدانته بجرائم إبادة جماعية خلال الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين بقيت العقوبة قائمة نظرياً في التشريعات دون تطبيق فعلي.
القانون الجديد ينقل هذه العقوبة من إطارها الاستثنائي المرتبط بجرائم الحرب إلى نطاق أوسع يستهدف فئة محددة هي الأسرى الفلسطينيون، في تحول نوعي في فلسفة العقاب.
كما يستند المشروع إلى بنية قانونية تعود جذورها إلى تشريعات الانتداب البريطاني التي أبقت إسرائيل على أجزاء منها بعد تأسيسها، قبل أن تحصر تطبيق الإعدام لاحقاً في حالات ضيقة.
نص قانوني مشدد وآليات مثيرة للجدل
يقترح المشروع تعديل قانون العقوبات لعام 1977 لفرض عقوبة الإعدام على من يدان بقتل إسرائيلي بدوافع عدائية أو قومية، غير أن الصيغة النهائية تتجاوز هذا الإطار، إذ تنص على فرض الإعدام بشكل إلزامي دون اشتراط طلب الادعاء العام، والاكتفاء بأغلبية قاضيين من ثلاثة لإصدار الحكم، وتنفيذ الحكم خلال 90 يوماً عبر إدارة السجون، مع منح رئيس الحكومة صلاحية تأجيل التنفيذ لمدة تصل إلى 180 يوماً.
كما يوسّع المشروع نطاق المحاكم المخولة بإصدار الحكم ليشمل المحاكم المدنية والعسكرية مع إمكانية تطبيقه “داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة”.
وتبرز نقطة مركزية في الجدل القانوني تتمثل في الطابع التمييزي المحتمل للقانون، إذ يتيح فرض الإعدام على الفلسطينيين في حالات قد يحكم فيها بالسجن المؤبد على إسرائيليين في ظروف مشابهة، إضافة إلى تضمينه بنوداً ذات حساسية قانونية عالية مثل تطبيقه بأثر رجعي وتقييد حق الاستئناف ومنع العفو.
واقع السجون… الموت قبل التشريع
يأتي هذا التطور في ظل واقع احتجاز يصفه حقوقيون بأنه قاسٍ ومخالف للمعايير الدولية، حيث يقبع أكثر من 9300 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية وفق بيانات مؤسسات شؤون الأسرى.
وتشير المعطيات إلى استشهاد أكثر من 292 أسيراً منذ عام 1967 بينهم عشرات نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي، فيما سُجلت نحو 100 وفاة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما تتجاوز نسبة الإدانة في المحاكم العسكرية الإسرائيلية 99% وفق دراسات حقوقية إسرائيلية، ما يثير مخاوف جدية من إدخال عقوبة الإعدام في نظام قضائي يواجه انتقادات متواصلة بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
تحذيرات حقوقية ودولية متصاعدة
حذّرت منظمات دولية من تداعيات المشروع، إذ اعتبرت منظمة العفو الدولية أنه يمثل توجهاً خطيراً نحو تكريس التمييز، فيما أكدت هيومن رايتس ووتش أن تطبيق الإعدام في سياق احتلال طويل الأمد يطرح إشكاليات قانونية عميقة.
وترى مؤسسة العهد الدولية أن مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يمثل تصعيداً خطيراً في منظومة التشريعات الإسرائيلية المرتبطة بإدارة الاحتلال، ويشكّل انتهاكاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتؤكد المؤسسة أن فرض عقوبة الإعدام في الأراضي المحتلة يخضع لقيود صارمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 68 التي تشترط ضمانات قضائية استثنائية، بما في ذلك الحق في طلب العفو أو تخفيف العقوبة، وهو ما يتعارض مع نص المشروع الذي يلغي هذه الضمانات أو يقيّدها بشكل كبير.
كما حذرت من أن تطبيق هذا القانون، إذا أُقرّ، قد يفتح الباب أمام مساءلة جنائية دولية محتملة، نظراً لما قد ينطوي عليه من إصدار أحكام بالإعدام في سياق احتلال عسكري ومن خلال إجراءات قضائية تثير تساؤلات جدية حول ضمانات المحاكمة العادلة.
كما عبّر خبراء في الأمم المتحدة عن رفضهم للعقوبات الإلزامية بالإعدام باعتبارها تتعارض مع الحق في الحياة وتمنع مراعاة الظروف الفردية، وأبدى الاتحاد الأوروبي قلقه من عودة إسرائيل إلى عقوبة تتعارض مع الاتجاه العالمي نحو الإلغاء.
في المقابل حذّر مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون من أن تطبيق الإعدام قد يؤدي إلى تصعيد ميداني، بما في ذلك زيادة محاولات الاختطاف للمقايضة على أسرى محكومين بالموت.
تعارض مع القانون الدولي الإنساني
تؤكد قراءات قانونية أن المشروع يتعارض مع قواعد أساسية في القانون الدولي، أبرزها مخالفة اتفاقية جنيف الرابعة التي تشترط ضمانات صارمة قبل إصدار أحكام بالإعدام في الأراضي المحتلة، وانتهاك مبدأ عدم التمييز عبر ربط العقوبة بالهوية القومية، وخرق مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية، إضافة إلى احتمال تصنيفه كجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي في حال تنفيذ أحكام دون ضمانات محاكمة عادلة. ومع انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، قد يفتح تطبيق القانون الباب أمام مساءلة قانونية دولية.
نحو سابقة قانونية في سياق صراع
يعيد المشروع تعريف العقوبة القصوى في سياق سياسي وأمني معقد، حيث يتحول الانتماء القومي إلى عنصر قد يؤثر مباشرة في تحديد العقوبة، ولا يقتصر أثر القانون في حال إقراره على مصير الأسرى الفلسطينيين، بل يمتد إلى اختبار فعالية النظام القانوني الدولي في حماية الحق في الحياة عندما يعاد تشكيله عبر التشريع، وفي هذه اللحظة لم تعد المسافة بين النص القانوني وتنفيذه مسألة نظرية، بل احتمال قائم يضع العدالة الجنائية في سياق الاحتلال أمام اختبار غير مسبوق.


