... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
139740 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 4232 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

أ. د. بني هاني يكتب: ما وراء حجاب الجهل.. هكذا تصنع الدول أزماتها بيدها

العالم
jo24
2026/04/09 - 11:38 504 مشاهدة


كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - 

في الدول التي تملك كل شيء تقريباً وتتصرف كأنها لا تملك شيئاً، لا تكون المشكلة في فقر الموارد، بل في فقر الرؤية. وهناك، حيث الأرض خصبة، والعقول حاضرة، والتاريخ شاهد، يقف السؤال الفلسفي الأكثر إزعاجاً: لماذا تُهدر الإمكانات كما لو كانت عبئاً لا نعمة؟ ولماذا تُدار الثروات وكأنها قدر لا يمكن تغييره، لا خيار يمكن تشكيله؟

لو أننا، حُكّاماً ومحكومين، تجرّدنا للحظة من مواقعنا، ووقفنا خلف ما يسميه الفيلسوف جون راولز (John Rawls) بحـجاب الجهل، لتبدّل المشهد برمّته. خلف هذا الحجاب، لا أحد يعرف موقعه؛ لا الوزير يضمن كرسيه، ولا الغني يضمن ثروته، ولا القوي يضمن نفوذه. والجميع، فجأة، يصبحون احتمالات مفتوحة. وهنا فقط، يبدأ التفكير الحقيقي. وفي تلك اللحظة النادرة من الصدق العقلي، لا يعود مقبولاً بناء دولة على المحاباة، ولا على سوء توزيع الموارد، ولا على إهمال الإنسان. لأنك، ببساطة، قد تكون أنت ذلك المهمَّش الذي تُهدر فرصه، أو ذلك الشاب الذي لا يجد تعليماً لائقاً، أو ذلك العامل الذي لا يرى ثمرة جهده. وحين تتساوى الاحتمالات، تتساوى المعايير. والدولة التي لا تريد استغلال مواردها ليست دولة عاجزة، بل دولة اختارت، بوعي أو بغير وعي، أن تُبقي نفسها في حالة قصور دائم. فهي لا ترى في الإنسان طاقةً يجب تحريرها، بل عبئاً يجب احتواؤه. ولا ترى في الطبيعة فرصةً للإنتاج، بل مخزوناً خاملاً يُستهلك ببطء أو يُهمل بالكامل. وهنا يكمن الخلل الجوهري. فحين تنفصل السلطة عن فكرة العدالة، تصبح إدارة الموارد مسألة تقنية باردة، لا مسألة أخلاقية. وتُوزَّع الفرص لا وفق الكفاءة، بل وفق القرب. وتُستنزف الثروات لا وفق خطة، بل وفق الحاجة الآنية أو المصالح الضيقة. وفي النهاية، تُبنى دولة تبدو قائمة، لكنها في الحقيقة معلّقة؛ لا هي تتقدم، ولا هي تعترف بتراجعها.

ما وراء حجاب الجهل ليس تمريناً فلسفياً للترف الفكري، بل أداة لكشف هذا الخلل. لأنه يفرض سؤالاً لا يمكن التهرب منه، مفاده يقول هل يمكن لأي عاقل أن يختار، وهو لا يعرف موقعه، أن يعيش في دولة تُهدر تعليمه، وتُضيّع صحته، وتُقزّم طموحه؟ والجواب، بوضوح قاطع لا. ومن هنا، تنشأ قاعدة بسيطة لكنها ثورية في أثرها، تقول بأن أي نظام لا يمكن الدفاع عنه من خلف حجاب الجهل، هو نظام يعاني خللاً في العدالة، مهما بدا مستقراً في الظاهر. فالاستقرار الذي يقوم على إقصاء الإمكانات، أو تعطيل القدرات، ليس استقراراً، بل تأجيل للأزمة.

لا تكمن أعظم ثروة لأية دولة في النفط أو في المعادن، بل في الإنسان. لكن هذه الحقيقة، على بداهتها، تُساء إدارتها حين يُختزل الإنسان في رقم، أو يُقيَّم فقط بقدر ما يُطيع لا بقدر ما يُبدع. والدولة التي تخشى من طاقات مواطنيها، هي دولة تخشى من مستقبلها ذاته. لأنها، ببساطة، تفضّل السيطرة على النمو، والركود على المخاطرة، والجمود على التغيير. وفي المقابل، الدولة التي تفكر من خلف حجاب الجهل، لا تستطيع أن تقبل بهذا المنطق. فهي ستسعى، بدافع العقل قبل الأخلاق، إلى بناء نظامٍ تعليمي عادل، لأنه قد يكون نصيبها أن تولد في بيئة فقيرة. وستُنشئ نظاماً صحياً متيناً، لأنها قد تكون في موقع موبؤ بالضعف. وستُعيد توزيع الفرص لا الثروات فقط، لأنها تدرك أن البداية غير المتكافئة تُنتج نهاية غير عادلة. لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في غياب العدالة، بل في تبرير غيابها. فحين يُقال إن الواقع لا يسمح، أو إن الإمكانات محدودة، أو إن الأولويات مختلفة، فإن هذا الخطاب يخفي خلفه حقيقة أبسط، وهي أن هناك إرادة لم تتشكل بعد، أو شجاعة لم تُمارس بعد. والدول لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بكيفية النظر إلى هذه الموارد. وهل هي أدوات للتمكين أم وسائل للسيطرة؟ وهل هي فرص للتنمية أم أوراق للنفوذ؟ والفرق بين الإجابتين هو الفرق بين دولة تنهض، ودولة تبرر تعثرها.

من خلف حجاب الجهل، لا مكان للأعذار. لأن كل عذر قد ينقلب عليك. وكل خلل قد تصبح أنت ضحيته. هناك، فقط، تتجرد القرارات من مصالحها الضيقة، وتقترب من معيار واحد، هو هل هذا عادل لو كنت في أسوأ موقع ممكن؟ وهذا السؤال، على بساطته، كفيل بأن يعيد ترتيب أولويات الدول. فهو يضع الإنسان في المركز، لا في الهامش. ويجعل من العدالة شرطاً للإدارة، لا نتيجة عرضية لها. ويحوّل الموارد من عبء إداري إلى مشروع حضاري. والدولة التي ترفض استغلال مواردها، إنما ترفض، في العمق، أن ترى نفسها كما هي؛ دولة تملك فرصة، لكنها تؤجلها، وتملك طاقة، لكنها تكبتها، وتملك مستقبلاً، لكنها تخشاه. وربما آن الأوان لأن تُجرّب تلك الوقفة النادرة خلف حجاب الجهل. لا كترف فكري، بل كضرورة وجودية. لأن السؤال لم يعد ماذا نملك؟ بل ماذا نفعل بما نملك؟ وهنا، لا يعود الصمت خياراً، ولا التردد حكمة، بل يصبحان شكلاً من أشكال الهدر؛ أي هدر الإنسان، وهدر الدولة، وهدر الزمن.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤