100 مليار دولار سنوياً: إيران تحوّل مضيق هرمز الى أكبر صراف آلي في العالم!
في مضيق هرمز، يبدو أن إيران مقبلة على خطوة مثيرة للجدل. ستخيّر دول العالم بين أمرين: مرور سفنها وناقلات نفطها في مقابل رسومٍ تفرضها على كل برميلٍ من النفط وكل مترٍ مكعب من الغاز وكل حاوية، أو الذهاب في الحرب إلى آخرها والحكم على الاقتصاد العالمي بالانهيار التام، في مسعى حثيثٍ لتحويل هذا المضيق إلى "أكبر صرافٍ آليٍّ في العالم" يميل إلى أن يكون ابتزازاً سياسياً – اقتصادياً يضع المجتمع الدولي أمام هذه المقايضة الصفرية.
هل تستطيع إيران فرض رسوم مرور في هرمز؟
إنها إشكالية قانونية مردودة إلى صراع مرجعيات بين القانون الدولي العام والقوانين الوطنية الإيرانية. من الناحية القانونية الصرفة، يستند الموقف الدولي إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، التي تنظم الملاحة في المضائق الدولية من خلال نظام "المرور العابر" (Transit Passage).
يضمن هذا النظام لجميع السفن - بما فيها السفن الحربية - الحق في العبور السريع والمتواصل من دون عوائق ولا تمييز، ويحظر على الدول المشاطئة للمضيق فرض أي رسومٍ مالية في مقابل المرور وحده. إلا أن إيران، التي وقعت على الاتفاقية ولم تصادق عليها، تتمسك برؤيةٍ قانونية بديلة، تعتمد على نظام "المرور البريء" (Innocent Passage)، وهذا يمنحها سلطاتٍ رقابية أوسع، تشمل الحقّ في التحقق من سلمية المرور وفرض قيودٍ لأغراضٍ بيئية وأمنية.
في آذار/مارس المنصرم، قدم البرلمان الإيراني مشروع قانون "إدارة مضيق هرمز" الذي يسعى الى شرعنة فرض رسومٍ على السفن التجارية تحت مسمى "تعويض خدمات الأمن وحماية البيئة". وتزعم إيران أن حرسها الثوري يوفر حمايةً أمنية للممر المائي ضد "التهديدات الخارجية" ويقوم بعمليات مكافحة التلوث، وعلى المستفيدين من هذه الخدمات دفع مقابلٍ مالي. قانوناً، ترفض المحاكم والهيئات الدولية - مثل المنظمة البحرية الدولية - هذا التوصيف، فالمادة 26 من اتفاقية قانون البحار تحظر فرض الرسوم إلا في مقابل خدماتٍ محددة تطلبها السفينة وتستفيد منها فعلياً، وهذا لا ينطبق على "الأمن العام" الذي تدعي إيران توفيره، وفقاً للقانون البحري الإيراني لعام 1993.
| وجه المقارنة | نظام المرور العابر (المعيار الدولي) | نظام المرور البريء (الادعاء الإيراني) |
|---|---|---|
| الأساس القانوني | اتفاقية UNCLOS 1982 والأعراف الدولية | القانون البحري الإيراني 1993 |
| الحق في تعليق الملاحة | محظور تماماً في المضايق الدولية | |
الحق في فرض الرسوم المالية | محظور إلا لخدمات محددة ومطلوبة | |
| مرور السفن الحربية | لا يتطلب إذناً مسبقاً | يتطلب إخطاراً أو إذناً مسبقاً |
عملياً، تمتلك إيران القدرة العسكرية على فرض هذا الواقع بالتهيب: الزوارق السريعة والألغام البحرية والمسيرات، إضافةً إلى سيطرةٍ جغرافية على الجانب الشمالي من المضيق من خلال جزر قشم ولارك وهرمز.
هل تنصاع دول العالم للابتزاز الإيراني؟
تظهر البيانات الملاحية المسجلة في آذارمارس ونيسان/أبريل 2026 انقساماً واضحاً في الاستجابة الدولية للمطالب الإيرانية. فبينما ترفض القوى الغربية الانصياع، بدأت دول آسيوية كبرى، مدفوعة بحاجتها الماسة للطاقة، في إيجاد صيغ للتفاهم مع طهران. فاعتماد آسيا الهائل على مضيق هرمز، حيث يتجه 80% من النفط المار عبره إلى الأسواق الآسيوية، يفسر هذا التوجه البراغماتي.
الصين هي المستورد الأكبر للنفط من هذه المنطقة، حيث تستقبل وحدها 37.7% من إجمالي التدفقات عبر المضيق. وعلى رغم دعوات بكين العلنية الى حرية الملاحة، فإن تقارير ملاحية أكدت أن سفناً صينية تابعة لشركة (COSCO) سُمح لها بالمرور في نهاية مارس الماضي بعد تنسيقٍ مسبق مع السلطات الإيرانية في ما سمي مخطط لإحلال "نظام البترويوان مكان البترودولار".
وواجهت الهند معضلة أمن طاقةٍ وجودية بسبب استيرادها 90% من حاجتها من غاز الطهو (LPG) من المنطقة. وقد أدى توقف الشحنات في بداية الأزمة إلى قفزةٍ هائلة في الأسعار المحلية، ما دفع نيودلهي للتفاوض مع طهران والحصول على ضماناتٍ بأن سفنها "في أيدٍ إيرانية أمينة".
المحبط في هذا القبول الآسيوي أنه يمنح الإجراء الإيراني "شرعيةً واقعية" ويقوض الجهود الدولية لعزل طهران اقتصادياً، رغم أنه نابع من غياب البدائل الحقيقية. فخطوط الأنابيب التي تلتف حول المضيق، مثل خط "بترولاين" السعودي وخط "أدكوب" الإماراتي، لا تستطيع في أحسن أحوالها نقل إلا نحو 8,8 ملايين برميل من النفط يومياً. وهذا يترك نحو 11 مليون برميل من النفط يومياً ونحو 20% من تجارة الغاز المسال العالمي تحت رحمة طهران.

ما هي ردة الفعل الأميركية؟
ما عاد التركيز الأميركي منصباً على مرافقة الناقلات فحسب، بل تحول نحو ضرب مراكز القوة البحرية والجوية الإيرانية. وقد صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الأهداف تشمل تدمير القوات البحرية للحرس الثوري وتقليص قدرات إطلاق الصواريخ. كما وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداتٍ متكررة بقصف المنشآت الحيوية الإيرانية، بما في ذلك محطات الكهرباء وآبار النفط، إذا لم يتم فتح المضيق "بشكل كامل وتام".
مع ذلك، تبرز تعقيدات في الموقف الأميركي: صرح ترامب أن المضيق لا يؤثر بشكلٍ مباشر على الولايات المتحدة بفضل إنتاجها المحلي الضخم، محاولاً تحميل الدول المستفيدة (خصوصاً في آسيا وأوروبا) مسؤولية تأمين الممر المائي بنفسها أو دفع ثمن "الحماية" الأميركية. هذا التوجه يضيف طبقةً جديدة من الابتزاز السياسي، إذ تجد الدول المستهلكة نفسها بين مطرقة الرسوم الإيرانية وسندان المطالب الأميركية بالمشاركة العسكرية والمالية، خصوصاً أن واشنطن فرضت تعريفات جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل مع إيران اقتصادياً.
ما هي المبالغ التي قد تجنيها إيران سنوياً من هذه الرسوم؟
تعتمد التقديرات المالية للعوائد التي قد تجنيها إيران من "إتاوة هرمز" على حجم الحركة الملاحية، ونوع الرسم المفروض. ثمة تقارير تشير إلى أن إيران تدرس تطبيق نظامين للتحصيل: الأول رسم مسطح بمليوني دولار لكل ناقلة نفطٍ عملاقة، والآخر رسم يراوح بين 0.50 و 1.20 دولار لكل برميل نفط.
وبالنظر إلى أن حجم التدفقات النفطية قبل الأزمة كان يصل إلى 20 مليون برميل يومياً، ونحو 138 سفينة تجارية يومياً، ربما تراوح العائدات السنوية الإيرانية من هذه الإتاوة بين 12 و102 مليار دولار. بناء عليه، يمكن رسم السيناريوهات التقديرية الآتية:
سيناريوات تقديرية للعوائد السنوية الإيرانية من مضيق هرمز | |||
| السيناريو | الآلية المفترضة | العائد السنوي المتوقع | الجدوى والواقعية |
| الحد الأدنى (الواقعي حالياً) | رسوم على 20% فقط من حركة الملاحة السابقة | نحو 22 مليار دولار | يعكس حجم الحركة المحدودة للدول "الصديقة" فقط |
| الحد المتوسط (نموذج القنوات) | رسوم تعادل رسوم قناة السويس (400 ألف دولار للسفينة) | بين 20 و25 مليار دولار | يفترض عودة الملاحة الكاملة مع قبول دولي بالرسوم |
| الحد الأقصى (الابتزاز الشامل) | 2 مليون دولار لكل سفينة مع عودة النشاط الكامل | 102 مليار دولار | سيناريو "الصراف الآلي" الأكبر، يفترض رضوخاً عالمياً تاماً |
| رسوم البرميل والغاز | 1 دولار لكل برميل + رسوم موازية للغاز والحاويات | بين 12 و15 مليار دولار | يركز على شحنات الطاقة فقط كأداة ضغط مالي |
من يدفع الثمن؟
الجواب واضح: أنت وأنا، وكل مستهلكٍ نهائي. إن تحملنا هذه الزيادة ليس احتمالاً، إنما هو حقيقة واضحة. ولا تقتصر التكلفة على "الإتاوة" الإيرانية وحدها، بل تشمل الارتفاع الحاد في أسعار التأمين ضد مخاطر الحرب (قفز 5,000%) وأكلاف الشحن والوقود.
لقد ارتفعت أسعار التجزئة للوقود في معظم دول العالم بشكلٍ ملحوظ. في المملكة المتحدة، قفز سعر لتر الديزل 30% ليصل إلى 185 بنساً، بينما ارتفع البنزين بنحو 22 بنساً. وفي الولايات المتحدة، تجاوز سعر الغالون 4 دولارات. حتى في الدول التي تدعم الوقود، كالهند مثلاً، اضطرت الحكومات لرفع أسعار "البنزين الممتاز" لتعويض خسائر الاستيراد العالمية.
إلى ذلك، أفاد تقرير أخير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة بأن أسعار الغذاء العالمية سجلت أعلى مستوياتها نتيجة صدمة الطاقة. وارتفعت اسعار القمح 4.3% بسبب نقص الأسمدة، التي يمر 30% من تجارتها العالمية عبر هرمز. وسجلت الزيوت النباتية والسكر قفزات تراوح بين 5.1 و 7.2% نتيجة ارتفاع أكلاف الوقود اللازم للإنتاج والنقل.

في جنوب آسيا (باكستان وبنغلاديش)، حيث تعتمد محطات التوليد بنسبة 25-50% على الغاز المسال المستورد عبر المضيق، أدى نقص الإمدادات إلى ارتفاعٍ هائل في فواتير الكهرباء وانقطاعاتٍ متكررة. كما رفعت شركات الطيران، مثل (IndiGo)، رسوم الوقود على التذاكر الدولية بين 25 و 130% لمواجهة ارتفاع أسعار وقود الطائرات.
إضافة إلى ذلك كله، أشارت الدراسات الاقتصادية إلى أن كل تأخير 100 ساعة في الشحن البحري يرفع التضخم 0.5 نقطة مئوية. ومع تحول مضيق هرمز إلى منطقة "إدفع أو توقف"، ارتفعت أكلاف كل شيء، من الحاويات التي تحمل السلع الاستهلاكية إلى المواد الخام للصناعة مثل الألومنيوم، الذي ارتفع بنسبة 11%.
الإنسان، حيثما كان على وجه الأرض، سيدفع قسطاً من الثمن الذي ستفرضه إيران على مرور السفن بمضيق هرمز. وإن تمكنت من ذلك فعلياً، فستخرج إيران من هذه الحرب أغنى مما كانت أضعافاً مضاعفة... فثمة صراف آلي سيدر على إيران ضعف عائدات صادرات النفط، وفي أبعد مكان عن العقوبات الدولية.





